ابن كثير

182

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وكساهم ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة جزاء وفاقا . قال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر ، عن عبد اللّه بن مسعود ، قال : كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي ، ثم يقيمون سوق بقلهم من آخر النهار ، وقد قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا أبان ، حدثنا عاصم ، عن أبي وائل عن عبد اللّه يعني ابن مسعود ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبيّ أو قتل نبيا وإمام ضلالة وممثل من الممثلين . وقوله تعالى : ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به أنهم كانوا يعصون ويعتدون فالعصيان فعل المناهي ، والاعتداء المجاوزة في حد المأذون فيه والمأمور به ، واللّه أعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 62 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) لما بيّن تعالى حال من خالف أوامره وارتكب زواجره وتعدى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم وما أحل بهم من النكال ، نبه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاء الحسنى ، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه كما قال تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ يونس : 62 ] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ فصلت : 30 ] قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عمر بن أبي عمر العدني حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : قال سلمان رضي اللّه عنه : سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم ، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم ، فنزلت إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى آخر الآية ، وقال السدي إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً الآية ، نزلت في أصحاب سلمان الفارسي بينا هو يحدث النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذ ذكر أصحابه فأخبره خبرهم ، فقال كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون لك ويشهدون أنك ستبعث نبيا ، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « يا سلمان هم من أهل النار » ، فاشتد ذلك على سلمان فأنزل اللّه هذه الآية . فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى عليه السلام حتى جاء عيسى فلما جاء كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا ، وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فمن لم يتبع محمدا صلّى اللّه عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا .

--> ( 1 ) المسند ( ج 1 حديث ص 407 )